السيد الخميني

مقدمة 8

لمحات الأصول ( موسوعة الإمام الخميني 7 )

2 - لم يكن كلّ واحدٍ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم متمكّناً من دوامِ الحضورِ عنده صلى الله عليه وآله وسلم لأخذ الأحكام عنه ، بل كان في مدّة حياته يحضره بعضهم دون بعض ، وفي وقت دون وقت ، وكان يسمع جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم - عن كلّ مسألة يسأل عنها - بعضُ الأصحاب ويفوت عن الآخرين ، فلمّا تفرّق الأصحاب بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم في البلدان ، تفرّقت الأحكام المرويّة عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيها ، فتُروى في كلّ بلدة منها جملة ، وتُروى عنه في غير تلك البلدة جملة أخرى ؛ حيث إنّه قد حضر المدني من الأحكام ما لم يحضره المصري ، وحضر المصري ما لم يحضره الشامي ، وحضر الشامي ما لم يحضره البصري ، وحضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك ، وكان كلّ منهم يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام « 1 » . إنّ الصحابي قد يسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في واقعة حكماً ، ويسمع الآخر في مثلها خلافه ، وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين ، وغفل أحدهما عن الخصوصية ، أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث ، فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً ؛ بالرغم من عدم تنافيهما واقعاً ، ولهذه الأسباب وأضعافِ أمثالها ، احتاج حتّى نفس الصحابة - الذين فازوا بشرف الحضور - في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد والنظر في الحديث ، وضمّ بعضه إلى بعض ، والالتفات إلى القرائن الحالية ، فقد يكون للكلام ظاهر ومراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام ، والحديث نقل والقرينة لم تنقل . وكلُّ واحدٍ من الصحابة - ممّن كان من أهل الرأي والرواية - تارة يروي نفس ألفاظ الحديث للسامع من بعيد أو قريب ، فهو في هذا الحال راوٍ ومحدّثٍ ، وتارة

--> ( 1 ) - الخطط ، المقريزي 2 : 333 .